عفيف الدين التلمساني
59
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : ما بقي للخلاف أثر فرحمة ، وما لم يبق له أثر فرحمانية ) . قلت : معناه أن الخلاف رحمة لكن ذاك في طور العلم ، ولذلك قيل فيه « اختلاف العلماء رحمة » ، وأما طور الوقفة وهو مقام الرحمانية ، فإنه لا يبقى فيه خلاف ، وهذا المشهد هو الذي حدى أو قاد الشيخ عبد الرحيم إلى أن قال : كنت أنكر على نفسي أن أكون ببلد فيه يهودي أو نصراني ، وأنا الآن لا أستنكف أن أعانقهم ، وذلك لشهوده هذا المقام . قوله : ( وقال لي : قف في خلافية التعرف ، فوقفت فرأيته جهلا ، ثم عرفت فرأيت الجهل في معرفته ، ولم أر المعرفة في الجهل به ) . قلت : الخلافية هنا : الغيرية ، فإن الغير والخلاف متقاربان ؛ ومعنى قوله : « فوقفت » أي شهدت فرأيت الغيرية في التعرف « جهلا » أي لا حقيقة لها ، وهذه الغيرية هي التثليث الذي هو عارف ومعروف ومعرفة إذ تحقق التعرف يثبت ذلك وهو مقام في الرحمانية ساقط ، فلذلك رآه جهلا لا حقيقة له . ومعنى قوله : « ثم عرفت » أي عرفت الحق تعالى فرأيت ذلك الجهل المذكور داخلا في معرفتي له تعالى إذ بإثباتي أنه جهل عرفته تعالى فقد رأيت الجهل في معرفته ، ولم أر المعرفة في الجهل بأنه جهل ، وهذا التنزل معجز البلاغة ، ولو فسرنا خلافية التعرف بالخلافة لا بالغيرية لم يختلف المعنى أصلا ، وذلك لأن الغيرية فيه مأخوذة من نفس التعرف ، إذ التعرف يقتضي نسبة بين عارف ومعروف ومعرفة فهو تثليث حاصل والكلام فيه كاف . ويبقى معنى الخلافية اعتبار الخلافة ، فكأنه جعله بشهود الرحمانية خليفته ولا يكون خليفته حتى يفنيه عن خليقته بحقيته ، قال الشيخ : والخليفة لا يكون إلا من نسبة المستخلف ، كما أن الإنسان لا يستخلف غير إنسان . فنعود ونقول إنه لما أوقفه في شهود الرحمانية وقوف خلافة كان نظره بالحق لا بعين الخلق فشهد إذ ذاك أن التعرف جهل وتفسير هذا الجهل هو بأمرين : أحدهما : أن يشهد أن من حصل له التعرف انسلبت خلقيته التي فيها وقع التعرف بحقيته من تلك الجهة فصارت تلك الخلقية المسلوبة نفيا ، والنفي جهل . والثاني :